
تفنن الانجليز في تكييف المرحلة الوسطى في سلمهم التعليمي الذي اختصوا به السودان.. فقد جعلوها واسطة العقد التعليمي.. وجعلوا الدخول إليها هو الجسر المفضي للصعود لأعلى.. وفي حالة عدم عبوره تدلف الى سبل الحياة الأخرى.. اذ يجلس للدخول للمدرسة المعنية بضع مئات فيؤخذ الأربعين الأوائل فقط.. بينما قد يصل عدد الناجحين عدة مئات… لذلك يسمون الملتحقين بالمدرسة الفائزين.
إن شاء الله يا بسام تتحقق الاحلام
وتطلع نتيجة العام
وتكون من الفائزين
كما غنى صديق أحمد.. لقد كان الدخول للمدرسة الاميرية الوسطى قمة الأحلام.. هذه الفلترة المبكرة ما زالت موضوع نقاش.. هل هي الأصوب ام السياسة التي جاءت بعدها والتي اجترحها محي الدين صابر في أول عهد نميري.. في السلم التعليمي الذي طبقه في عام 1969.. ما علينا.
ولكن الشاهد بل المؤكد ان الانجليز أرادوا بالمرحلة الوسطى ان تكون العتبة الأولى في صناعة النخبة السودانية الحديثة.. النخبة المشبعة بالقيمة الغربية الحديثة.. النخبة المنبتة عن الثقافة التقليدية السائدة قبل احتلالهم للسودان.. حتى الذائقة الغذائية لهؤلاء اليفع عملوا على تغييرها… إلا قل لي بربك ماذا يعني ان يأكل كل تلاميذ السودان في المرحلة الوسطى من حلفا الى بابنوسة ومن الكرمك الى الجنينة رغيفة القمح (الجنوب كان خاصعا لقانون اخر ).. قل لي بربك ما الذي يجعل مباني تلك المدراس موحدا في كل السودان ..الفصول.. الداخليات.. وبينهما قاعة الطعام .. ميادين الرياضة.. بيت الناظر .. منازل المعلمين .. الساحات .. النشاط اليومي من صباح الرحمن الى جرس النوم عند العاشرة مساء موحدا في كل السودان …انه التنميط ..
لكن الشهادة لله المنهج الأكاديمي كان مكربا وعالميا.. يعبر عن الليبراليين الانجليز الحقيقيين عكس منهج المرحلة الأولية بتاع ناس مستر قريفث المحافظين و هذه قصة أخرى …
نحن في كاب الجداد الوسطى دفعة (1965…1970) حيث ارتد علينا سلم محيي الدين صابر بسنة خامسة اسميت ثالثة ثانوي عام.. قد انطبق علينا كلما ذكرناه أعلاه من سياسة عامة متعلقة بالمرحلة الوسطى.. وقد حبانا الله بميزات خاصة أخرى.. لعل اولها ان كل النظار الذين مروا علينا في الفترة المشار إليها كانوا من اولاد الخرطوم بحري.. عبد المحمود طيب الأسماء من شمبات.. عوض حسن أحمد من الصبابي .. محمود عبد العال من حلفاية الملوك .. رحمهم الله جميعا واسكنهم فسيح جناته …اولاد بحري اولاد بنادر.. غير اولاد بخت الرضا.. التي لم يترك لها العلامة عبد الله الطيب واستاذنا عبد الله علي ابراهيم صفحة ترقد عليها ..و هذه قصة ثالثة …
استاذنا عوض حسن أحمد وهو شاعر كبير غنى له الفنان عبد العزيز داؤد عدة اغاني …اشهرها اغنية صغيرتي ..ما زلت اذكر خصلة عربيدة فوق الجبين/ما زلت اقرا في السطور فاستبين البعض أو لا استبين.. كان مدرسة متفردة إذ كان له رأى سلبي في الاغراق الأكاديمي الذي كان سائدا يومها.. وكان ميالا للنشاط اللا صفي.. كان مهتما بالثقافة والفكر والادب.. كان يساريا تابعا للحزب الشيوعي جناح الصين ..عرفنا على سلامة موسى وذكي نجيب محمود ونجيب محفوظ والعقاد وحسين مروة .كنا سعداء بذلك الدفق الثقافي ولكن إدارة التعليم في مدني كان لها رايا اخر اذا اعتبرت ذلك خروجا عن الخط المرسوم .. وهو فعلا كذلك …فتم نقله تعسفيا …واحضر للمدرسة ناظر جديد وهو الاستاذ محمود عبد العال كقائد حملة لإنقاذ المدرسة فاشترط عليهم اختيار الاصطاف الذي يعمل معه ..كما حكى لي فيما بعد ..فانتقى استاذ الخير أحمد الزبير كنائب له …فكان نعم الاختيار… فعملا على تلافي النقص الأكاديمي الذي حدث قبلهما …ولكن لحسن حظنا كان الناظر محمود واسع الافق فمع زيادة الضخ الأكاديمي ابقى على كل النشاط اللا صفي الذي أحدثه الاستاذ عوض. . فاستمرت الجمعية الأدبية ..والمنافسات الثقافية بين التلاميذ …وحصص المكتبة …والجرائد الحائطية وليالي السمر … المنافسات الرياضية …
استاذنا محمود عبد العال والذي رحل عن دنيانا في الشهر الماضي كان نسيجا وحده كان معلما نادرا …كانت الأكاديميات والنواحي الثقافية عنده بمستوى واحد …سمعنا بتخفيض قيمة الجنية السوداني فسألناه عنها فشرحها لنا بطريقة تناسب عقولنا لم أجد لها مثيلا حتى يومنا هذا …كانت لديه نظرة ثاقبة في تلاميذه …في تلك الأيام حكى لي صديقي ورفيق دربي وتوأم روحي… صديق محمد احمد مضوي رحمة الله عليه… عندما دخل على احد الأساتذة لتصحيح واجب مدرسي وصادف ان كان الناظر محمود موجودا في المكتب فاشاد الاستاذ بأداء صديق …فتدخل الناظر محمود قائلا يا مضوي انت حاتدخل الجامعة فسأله الاستاذ من سيكون معه… فعدد له أربعة… ونحن خارجين من الفصل متجهين للداخلية لحق بي صديق فقال لي انت من المبشرين بالجامعة …وحكى لي القصة ولعل المفارقة ان كل المذكورين لم يكونوا في الخمسة الأوائل في الدفعة… بل كان أحدنا في الطاشرات …تفرقنا في المرحلة الثانوية ثم التقينا الخمسة في جامعة الخرطوم في عام 1975 ولم نزد واحدا …
التقيت بالاستاذ محمود في مطلع ثمانينيات القرن الماضي بمكتب المحلق التعليمي السعودي الذي كان يقع غرب مقابر فاروق… ويومها كان الاستاذ حديث عهد بالمعاش …وكنت حديث التخرج وكنا نكمل في إجراءات التعاقد للعمل كمدرسين في السعودية …. ويومها لم يكن السودان طاردا بل كانت السعودية جاذبة… ولم يكن هناك تدافعا للاغتراب.. وكان شيخ حمد الصلفيح رئيس لجنة التعاقد رجلا فاضلا يتحدث مع المتقدمين باحترام شديد …..مرغبا لهم في العمل هناك…باسطا أمامه خارطة المملكة ليختار المتقدم الجهة التي يريد … اما لقائي باستاذي محمود بعد طول غياب فقد كان مؤثرا جدا …قلت له ما معقول يا استاذنا ان تهاجر كفاءة وخبرة من امثالك… فرد بالقول هل المعقول ان يهاجر شباب من امثالكم يحتاجهم الوطن …كنا نطلع وننزل مع بعض كل ايام الإجراءات كأننا صديقين قديمين… كانت ايام لا تنسى ومن ساعتها لم ينقطع التواصل بيننا …في السعودية كنا نتبادل الخطابات… وبعد الاغتراب زرته كذا مرة بالحلفاية ..بعد انتشار وسائل التواصل الاجتماعي كنا نتلاقى شبه يومي على الواتساب.. حكاويه ..قصصه ..ذكرياته.. لا تمل ابدا … ذاكرته من ابدع ما يكون …صوته …ضحكته ..دقة ملاحظته ..متابعته للشأن العام …لم تتغير ابدا …كتبت عنه كثيرا في هذا العمود …فتكرم على وانعمني بكذا منشور ..
انقطع التواصل بيننا مع بداية الحرب الحالية… ولم احصل على خبر منه الا بعد أن نعاه الناعي في الشهر الماضي…
لقد وقع الخبر على صاعقا لانني كنت متلهفا لأخباره …مشفقا عليه من أهوال الحرب ..رجعت لٱخر رسالة لي في رقمه وقد كانت بعد اجتياح الدعم السريع للحلفاية بيوم واحد …
الذي يحز في نفسي ويضاعف حزني عليه انه غادر سودانا غير الذي أنفق عمره في بنائه …نعم استاذ محمود من بناة السودان الحديث ..لقد عمل في كل ارجائه …خرج الألوف المولفة من التلاميذ ….بنى اجيالا من البشر ..اسهموا بدورهم في بناء السودان …..ولكن من نكد الدنبا عليه وعلينا ها هو يرحل بعد أن رأى كل ما بناه قد تهدم …وها هو السودان معلقا بين السماء والأرض يبحث عن خرط جديدة وعن اسماء جديدة …
استاذنا محمود لقد تداخلت فجيعتنا فيك مع فجعتينا في السودان …ومع سفرك سافر كل السودان …وها نحن في الشتات نسمع برحيلك بعد أسابيع … من حدوثه فلم نصلي عليك مع المصليين ..ولم نجلس في الصيوان مع المعزيين … جانا الخبر منشاع ..في الاربع قبل … اسود طويل الباع …ونحن غرباء وحيدين نعزي أنفسنا فيك ونبكي أنفسنا ونبكيك …
اللهم يا مدبر الأكوان ومجري المقادير …ان استاذنا محمود عبد العال قد جاءك بعد أن انجز مشروعه الوجودي على أكمل وجه.. فدرس ..وعلم… وربى وثقف… وهذب … فاللهم تقبله عندك قبولا حسنا واسكنه الفردوس الأعلى مع الصديقين والشهداء والصالحين واجعل البركة في عقبه.
صادق تعازينا لاسرته الكبيرة والصغيرة بحلفاية الملوك …فالاستاذ محمود لم يكن فقدكم وحدكم بل فقد أمة وبرحيله لقد احترقت مكتبة يندر ان يجود الزمان بمثلها.



